عثمان بن جني ( ابن جني )

427

سر صناعة الإعراب

وهذا فصل نذكر فيه مذهب العرب في مزج الحروف بعضها ببعض ، وما يجوز من ذلك ، وما يمتنع ، وما يحسن ، وما يقبح ، وما يصحّ . اعلم أن حروف المعجم تنقسم على ضربين : ضرب خفيف ، وضرب ثقيل ، وتختلف أحوال الخفيف منهما ، فيكون بعضه أخف من بعض ، وتختلف أيضا أحوال الثقيل منهما ، فيكون بعضه أثقل من بعض . وفي الجملة فأخف الحروف عندهم وأقلها كلفة « 1 » عليهم الحروف التي زادوها على أصول كلامهم ، وتلك الحروف العشرة المسمّاة حروف الزيادة ، وهي : الألف ، والياء ، والواو ، والهمزة ، والميم ، والنون ، والتاء ، والهاء ، والسين ، واللام ، ويجمعها في اللفظ قولك « اليوم تنساه » وإن شئت قلت « سألتمونيها » ، وإن شئت قلت « هويت السّمان » . فإن قلت : ألست تعلم أن الهمزة مستثقلة عندهم ، ولذلك ما دخلها الحذف والبدل في كثير من الكلام ، فلم ذكرتها في الحروف الخفيفة ؟ فالجواب : أن الهمزة وإن كانت كذلك فإنك قادر على إعلالها وقلبها والتلعّب بها تارة كذا وتارة كذا ، وهذا لا يمكنك في الجيم ولا في القاف ولا في غيرهما من الحروف الصحاح ؛ وأيضا فإن مخرجها مجاور لمخرج أخف الحروف ، وهي الألف ، وأيضا فإنها لتباعدها من الحروف ما يستروح إلى مزج المتقارب مما بعد عنها بها ؛ ألا ترى أنك تقول « دأب » « 2 » فتفصل بين الدال والباء بالهمزة ، فيكون ذلك أحسن من فصلك بينهما بالفاء لو جاء عنهم نحو « دفب » « 3 » ، وتقول « نأل » « 4 » فتفصل بها بين النون واللام ، ولو فصل بينهما بالراء ، فقيل « نرل » لم يكن حسنا ، فالهمزة وإن

--> ( 1 ) كلفة : تجشم الشيء على مشقة وعلى خلاف عادتك . اللسان ( 9 / 307 ) مادة / كلف . ( 2 ) دأب : الشاهد فيها الفصل بين الدال والياء بهمزة ، كما ذكر ابن جني . ( 3 ) دفب : يقصد دأب ويتم الفصل بين الدال والباء بالفاء وهو مستقبح . ( 4 ) نأل : مشى ونهض برأسه إلى فوق مثل الذي يعدو وعليه حمل ينهض به .